الشيخ معتصم السيد أحمد
حين يتأمل الإنسان المعاصر في ذاته، فإنه غالباً ما يفعل ذلك من خلال مرايا متعددة صنعتها الفلسفات الحديثة والعلوم الإنسانية. مرة يُعرَّف بوصفه كائناً بيولوجياً تحكمه الجينات، ومرة بوصفه كائناً نفسياً تحركه الرغبات واللاشعور، ومرة بوصفه كائناً اجتماعياً تُشكّله البُنى الثقافية والاقتصادية. هذه المقاربات، رغم ما تقدمه من فهم جزئي، تُبقي الإنسان موزعاً بين تفسيرات متفرقة، لا تجتمع في رؤية واحدة متماسكة تعطيه معنى واضحاً لذاته، ولا تحدد له موقعه الحقيقي في هذا الوجود.
هنا يأتي القرآن لا ليضيف تعريفاً جديداً إلى هذه التعريفات، بل ليعيد بناء الصورة من الأساس، فيقدّم للإنسان تصوراً مختلفاً عن نفسه، ليس بوصفه مجرد كائن يُفسَّر، بل بوصفه كائناً مُكلَّفاً، مسؤولاً، ومقصوداً في وجوده. وهذه النقلة ليست مجرد انتقال معرفي، بل تحوّل في الوعي، يغيّر طريقة نظر الإنسان إلى ذاته، ومن ثم يغيّر طريقة عيشه كلها.
أول ما يلفت النظر في التصور القرآني للإنسان أنه يخرجه من كونه نتيجة عمياء لسلسلة من الأسباب، إلى كونه مخلوقاً مقصوداً بعناية: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾. هذه الآية لا تجيب فقط عن سؤال الخلق، بل تهزّ أساس التصور الذي يرى الإنسان كائناً بلا غاية. فحين يدرك الإنسان أن وجوده ليس عبثاً، فإن نظرته إلى نفسه تتغير جذرياً؛ لم يعد مجرد رقم في سلسلة الطبيعة، بل أصبح مشروعاً له غاية، ومسار ينبغي أن يُفهم ويُعاش.
ثم ينتقل القرآن خطوة أبعد، فيعرّف الإنسان بذاته من خلال موقعه في هذا الوجود، لا من خلال مكوناته فقط. يقول تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. هنا لا يُقدَّم الإنسان بوصفه مجرد كائن حي، بل بوصفه صاحب دور، وموقع، ومسؤولية. وهذا المفهوم يغيّر زاوية النظر بالكامل؛ فالإنسان لم يعد يسأل فقط: “ممّ أنا مكوَّن؟” بل يبدأ يسأل: “ما الذي أُريد له أن يكون؟ وما الذي ينبغي أن أفعله بهذا الوجود الذي أُعطي لي؟”.
في مقابل ذلك، كثير من الفلسفات الحديثة، حين فسّرت الإنسان، جرّدته من هذا البعد الغائي. فمثلاً، في بعض الاتجاهات الوجودية، يُترك الإنسان ليخلق معناه بنفسه في عالم لا يحمل معنى مسبقاً، وفي بعض المقاربات المادية، يُختزل الإنسان إلى تفاعلات كيميائية أو بيولوجية. وبين هذا وذاك، يفقد الإنسان الشعور بأن لوجوده مرجعية عليا توجهه. أما القرآن، فإنه لا يلغي دور الإنسان في الاختيار، لكنه يضع هذا الاختيار داخل إطار هادف، لا في فراغ عبثي.
ومن أهم ما يقدمه القرآن في إعادة تشكيل نظرة الإنسان إلى نفسه، أنه يكشف له عن تركيبته الداخلية بشكل متوازن. فهو لا يقدمه كائناً مثالياً منزهاً عن الخطأ، ولا كائناً ساقطاً محكوماً بالشر، بل يقدمه كائناً مركباً: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. هذا التوازن يحرر الإنسان من صورتين مشوهتين: صورة التقديس المبالغ فيه للذات، وصورة الاحتقار الكامل لها. إنه كائن يحمل الاستعدادين معاً، والخيار هو الذي يحدد مساره.
وهنا تتغير علاقة الإنسان بنفسه؛ لم يعد يرى ضعفه دليلاً على عجزه المطلق، ولا يرى قوته مبرراً للغرور، بل يفهم نفسه بوصفها ميداناً للصراع، وساحة للاختيار. وهذا الفهم يمنحه قدرة على التعامل مع ذاته بوعي؛ حين يخطئ لا ينهار، وحين يصيب لا يتضخم.
ويضيف القرآن بعداً آخر بالغ الأهمية، وهو ربط معرفة الإنسان بنفسه بمعرفة الله. في الرؤية القرآنية، لا يمكن أن يفهم الإنسان نفسه فهماً كاملاً وهو معزول عن خالقه. ليس لأن المعرفة الدينية بديل عن المعرفة الإنسانية، بل لأن الإنسان في هذا التصور ليس كياناً مستقلاً بذاته، بل هو مرتبط بمصدر وجوده. لذلك، فإن سؤال “من أنا؟” في القرآن لا يُفصل عن سؤال “من ربي؟”.
هذا الربط يغيّر جذرياً مسار البحث عن الذات. ففي كثير من الفلسفات الحديثة، يتحول الإنسان إلى مرجع نهائي لنفسه، فيدور في دائرة مغلقة، يحاول أن يعرّف ذاته بذاته. أما القرآن، فيفتح هذه الدائرة، ويجعل معرفة الإنسان بنفسه جزءاً من علاقة أوسع، علاقة تربطه بالله، وبالكون، وبالغاية.
ومن التحولات العميقة التي يُحدثها القرآن أيضاً، أنه يعيد تعريف قيمة الإنسان. ففي عالم يُقاس فيه الإنسان غالباً بما يملك أو بما ينجز، يأتي القرآن ليضع معياراً مختلفاً: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. هذه الآية لا تلغي الإنجاز، لكنها تعيد ترتيب الأولويات. قيمة الإنسان لا تُختزل في نجاحاته الظاهرة، بل في وعيه، وتقواه، وطريقة تعامله مع نفسه ومع الآخرين.
وهذا التغيير له أثر نفسي عميق؛ فهو يحرر الإنسان من القلق المستمر المرتبط بالمقارنة، ومن الشعور بالنقص إذا لم يحقق معايير النجاح السائدة. كما أنه يمنعه في الوقت نفسه من الغرور إذا حقق تلك المعايير. إنه يعيد بناء ميزان داخلي، يجعل الإنسان أكثر توازناً في نظرته إلى نفسه.
ولا يكتفي القرآن بإعادة تعريف الإنسان من حيث أصله ودوره وقيمته، بل يقدّم له قراءة دقيقة لحالاته النفسية. فهو يكشف له عن ضعفه: ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾، وعن استعجاله: ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا﴾، وعن تقلبه: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾. لكن هذا الكشف ليس لإدانة الإنسان، بل لتعريفه بنفسه، حتى لا يعيش في وهم الكمال، ولا يفاجأ بانهياراته.
في المقابل، يفتح له القرآن باب الأمل والتجاوز: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. فالإنسان، رغم ضعفه، قادر على أن يرتقي، وأن يتجاوز هذه الصفات، إذا وعى نفسه، وسلك الطريق الصحيح. وهنا تتشكل نظرة جديدة: الإنسان ليس أسيراً لطباعه، بل قادراً على تهذيبها وتوجيهها.
ومن الفوارق الجوهرية بين التصور القرآني والتصورات الحديثة، أن القرآن لا يفصل بين المعرفة والسلوك. فمعرفة الإنسان بنفسه ليست هدفاً نظرياً، بل مدخلاً للتغيير. لذلك، نجد أن الآيات التي تعرّف الإنسان بنفسه، غالباً ما تقترن بدعوة إلى العمل، أو تحذير من سلوك، أو توجيه نحو مسار. كأن القرآن يقول: أن تعرف نفسك، يعني أن تغيّر طريقة عيشك.
أما في كثير من الفلسفات الحديثة، فقد تتحول معرفة الذات إلى نوع من التأمل المجرد، أو التحليل النفسي الذي لا يفضي بالضرورة إلى تغيير فعلي في الحياة. وهذا ما يفسر لماذا يمتلك الإنسان المعاصر فهماً واسعاً لنفسه من الناحية النظرية، لكنه يظل عاجزاً عن ضبط سلوكه أو تحقيق التوازن في حياته.
إن القرآن، حين يغيّر نظرة الإنسان إلى نفسه، لا يفعل ذلك عبر تعريفات مجردة، بل عبر بناء رؤية متكاملة: يعرّفه بأصله، ويحدد له غايته، ويكشف له عن طبيعته، ويرشده إلى طريقه. هذه الرؤية تجعل الإنسان أكثر وعياً، وأكثر مسؤولية، وأكثر قدرة على فهم ذاته والتعامل معها.
وفي نهاية المطاف، يمكن القول إن أعظم ما يقدمه القرآن للإنسان في هذا الباب، هو أنه ينقله من حالة الضياع في تعريف نفسه، إلى حالة الوضوح في فهمها. لم يعد الإنسان يسأل عن نفسه في فراغ، بل أصبح يرى نفسه داخل قصة كبرى، لها بداية، ولها غاية، وله فيها دور.
وحين تتغير نظرة الإنسان إلى نفسه بهذا الشكل، فإن كل شيء يتغير بعد ذلك: قراراته، علاقاته، أولوياته، وحتى نظرته إلى النجاح والفشل. إنه لا يعيش فقط، بل يفهم لماذا يعيش، وكيف ينبغي أن يعيش. وهذا هو التحول الحقيقي الذي يصنعه القرآن في وعي الإنسان بذاته.