رجوع
حين تختزل السياسة في الطائفة: كيف نفقد البوصلة الأخلاقية في قراءة الصراع؟

حين تختزل السياسة في الطائفة: كيف نفقد البوصلة الأخلاقية في قراءة الصراع؟


الشيخ معتصم السيد أحمد


في مطلع سورة الروم يخبرنا القرآن بحادثة سياسية كبرى في زمانها: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾، ثم يربط هذا التحول في موازين القوى بقوله: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ﴾. هذه الآيات لا تسجل خبراً عسكرياً فحسب، بل تكشف عن طريقة في النظر إلى الصراع؛ فالمؤمنون لم يكونوا رومانيين، ولم تكن بينهم وبين الروم رابطة قومية أو مصلحة مادية، ومع ذلك فرحوا بانتصارهم لاحقاً، لأنهم كانوا يرون في ميزان القيم ما هو أعمق من الانتماء الضيق. كانوا يميزون بين منظومتين، ويقرأون الحدث ضمن سياق أوسع من مجرد “فخار يكسر بعضه”.


هذه القاعدة القرآنية تمنحنا مدخلاً لفهم إشكالية معاصرة تتكرر في منطقتنا: حين تختزل السياسة في الطائفة، وتُقرأ الأحداث بمنظار مذهبي صرف، يفقد الإنسان قدرته على التمييز بين صراعين مختلفين في الجوهر، فيسوي بين من يرفع شعار الدفاع عن المستضعفين – مهما اختلفنا معه في بعض التفاصيل – وبين قوة استعمارية أو صهيونية أو هيمنة دولية لا تخفي مشروعها في السيطرة وإعادة تشكيل المنطقة وفق مصالحها. فيتحول المشهد إلى معادلة تبسيطية: “ليضرب الظالمون بعضهم بعضاً، ولنخرج نحن سالمين”.


هذه العبارة – على ما تبدو فيه من حكمة ظاهرية – تخفي في باطنها أزمة أخلاقية ومعرفية عميقة. فهي تفترض أن جميع الأطراف سواء، وأن الصراع بلا معيار، وأن الوقوف على الحياد أو التشفي من الجميع هو موقف عقلاني. لكن السؤال الثقافي الذي ينبغي طرحه بهدوء: هل كل صراع بين قوتين يعني تساويهما أخلاقياً؟ وهل الاكتفاء بتصنيف الأطراف طائفياً يغنينا عن تحليل مشاريعها الفعلية على الأرض؟


المشكلة الأولى في النظرة الطائفية أنها تختزل الفاعلين في هوياتهم لا في أفعالهم. فبدلاً من تحليل مشروع سياسي، أو برنامج اقتصادي، أو خطاب يتعلق بالمستضعفين، يُختزل الطرف في انتمائه المذهبي، فيُحكم عليه مسبقاً. وهذا ما يسميه علماء الاجتماع “الاختزال الهوياتي”، حيث تتحول الهوية إلى عدسة وحيدة لرؤية العالم. في هذه الحالة، لا يعود السؤال: ماذا يفعل هذا الطرف؟ بل: من أي طائفة هو؟ وبمجرد الإجابة، يصدر الحكم.


لكن القرآن حين تحدث عن الروم والفرس لم يتعامل معهما بوصفهما طائفتين دينيتين فحسب، بل بوصفهما مشروعين حضاريين في لحظة تاريخية معينة. ولم يمنع اختلاف العقيدة من تمييز موقف في سياق معين. هذا يعطينا درساً منهجياً: الانتماء لا يلغي ضرورة التقويم الموضوعي للسلوك والمشروع.


المشكلة الثانية أن منطق “فخار يكسر بعضه” يلغي مفهوم المسؤولية الأخلاقية. فهو يفترض أن الإنسان ليس معنياً بترجيح كفة العدالة، بل يكفيه أن يقف متفرجاً حتى تنتهي المعركة. غير أن هذا المنطق – لو عمم – لأدى إلى تبرير كل أشكال العدوان ما دام المعتدون مختلفين في هوياتهم. فهل نقبل أن يُقال: دعوا القوة الاستعمارية تفتك بمن تشاء، ما دام الضحايا ليسوا من طائفتي؟ هنا ينكشف التناقض؛ لأن الحس الإنساني السليم لا يقبل هذا المنطق حين يكون المتضرر قريباً، لكنه قد يقبله حين يكون بعيداً.


المشكلة الثالثة أن النظرة الطائفية تعطل التفكير السياسي الرشيد. فهي تمنع التمييز بين خطأ تكتيكي ومشروع استراتيجي، وبين انحراف جزئي ومخطط هيمنة شامل. حين تُختزل كل القوى المحلية في خانة واحدة، يصبح من السهل تبرئة القوة الكبرى المهيمنة بوصفها “أقل سوءاً”، أو على الأقل “طرفاً خارج الصراع الطائفي”. وهنا يقع الخلل؛ لأن الهيمنة الدولية لا تتحرك بدافع طائفي، بل بدافع مصالح جيوسياسية واضحة، تتجاوز الطوائف جميعاً، وتتعامل معها بوصفها أدوات أو عوائق حسب الحاجة.


إن القراءة الثقافية الرشيدة للصراع تقتضي الفصل بين مستويين: مستوى الهوية، ومستوى المشروع. الهوية قد تثير حساسيات تاريخية، لكن المشروع يُقاس بآثاره الفعلية: هل يدافع عن الأرض أم يفرط فيها؟ هل يحمي المستضعفين أم يساوم عليهم؟ هل يعزز استقلال المنطقة أم يكرس تبعيتها؟ هذه أسئلة موضوعية يمكن بحثها بعيداً عن لغة التخوين أو التقديس.


وليس المطلوب هنا رفع شعار طائفي مضاد، ولا تحويل النقاش إلى سجال مذهبي، بل إعادة بناء معيار التقييم على أساس القيم والمصالح العامة. فحين يقول القرآن: ﴿يَنصُرُ مَن يَشَاءُ﴾، لا يعني ذلك أن كل من انتصر هو بالضرورة على حق، بل يذكرنا بأن حركة التاريخ ليست عبثية، وأن موازين القوى تتغير ضمن سنن. والإنسان المؤمن مدعو إلى قراءة هذه السنن، لا إلى تعليق عقله عند حدود الانتماء.


من المهم أيضاً أن ننتبه إلى البعد النفسي في النظرة الطائفية. كثيراً ما تكون هذه النظرة نتاج تراكمات تاريخية من الظلم أو الخوف أو الشعور بالتهديد. فيتحول أي صعود لطرف من طائفة أخرى إلى مصدر قلق وجودي، حتى لو كان الصراع مع قوة خارجية. وهنا يصبح التعميم وسيلة دفاع نفسي: “الجميع سواء”. هذا التعميم يريح الضمير مؤقتاً، لكنه يضلل البصيرة.


المعالجة الثقافية لهذه الحالة لا تبدأ بتوبيخ أصحابها، بل بتفكيك افتراضاتها. يمكن أن نسأل بهدوء: لو افترضنا أن قوة خارجية تحتل أرضاً عربية أو إسلامية، هل يختلف موقفنا من الاحتلال باختلاف طائفة من يقاومه؟ وإذا كان الجواب لا، فلماذا نسمح للطائفية أن تحجب هذا المعيار حين يتعقد المشهد؟ ثم نسأل: هل تسوية الجميع أخلاقياً تخدم المستضعفين فعلاً، أم تتركهم فريسة لمن يملك السلاح الأقوى؟


إن إعادة الاعتبار لمفهوم “المستضعفين” بوصفه مفهوماً إنسانياً لا طائفياً هو خطوة أساسية. فالاستضعاف لا يسأل عن المذهب، والعدوان لا يميز بين طائفة وأخرى حين يتعلق بالمصالح الكبرى. وحين تختزل القضية في صراع مذهبي، يُطمس البعد الإنساني الجامع، ويُعاد تعريف الظلم على أساس الهوية لا على أساس الفعل.


كذلك من المهم التفريق بين نقد طرف ما، واعتباره مساوياً لمشروع استعماري شامل. النقد حق، بل ضرورة، لكن النقد الموضوعي يختلف عن المساواة العمياء. فحين يُقال إن أخطاء قوة محلية تجعلها لا تختلف عن قوة احتلال، فهذا حكم يحتاج إلى برهان دقيق، لا إلى انفعال طائفي. وإلا تحولنا من قراءة الواقع إلى إسقاطات نفسية.


إن الثقافة السياسية الناضجة تقوم على مبدأ التفكيك لا التعميم، وعلى التمييز لا الخلط. وهي تدرك أن التاريخ ليس لوحة سوداء أو بيضاء، بل مساحات رمادية تحتاج إلى تحليل. وفي هذا التحليل، تبقى القيم الكبرى – العدالة، مقاومة الاحتلال، حماية المدنيين، استقلال القرار – معايير يمكن الاحتكام إليها بعيداً عن الاصطفاف المذهبي.


ختاماً، إن أخطر ما تفعله الطائفية أنها تسلب الإنسان قدرته على الفرح المشروع بنصرة حق، أو الحزن على مظلومية، لأنها تربط المشاعر بالهوية لا بالقيمة. بينما يعلّمنا القرآن في قصة الروم أن المؤمن قد يفرح بانتصار طرف لا ينتمي إليه، إذا كان في ذلك تعزيز لميزان أقرب إلى الحق في سياق معين. هذه المرونة الأخلاقية لا تعني ذوبان الهوية، بل تعني سموها عن أن تكون سجناً يمنعها من رؤية العدل حيثما كان.


وإذا أردنا أن نخرج من مأزق “فخار يكسر بعضه”، فعلينا أن نعيد بناء وعينا على قاعدة أوسع من الطائفة، وأعمق من ردود الفعل. قاعدة ترى الإنسان قبل الهوية، والمشروع قبل الشعار، والعدل قبل الاصطفاف. عندها فقط يمكن أن نقرأ الصراع قراءة راشدة، وأن نميز بين من يخطئ في سياق مقاومة، وبين من يجعل من الهيمنة مشروعاً دائماً، وأن نحفظ لأنفسنا بوصلة أخلاقية لا تهتز مع كل موجة طائفية عابرة.


مشاركة: